على سفوح الجبال التي تحيط بمدينة إب، وسط اليمن، ترتسم لوحات طبيعية شديدة الاخضرار. يسكن هذه المحافظة نحو 3 ملايين نسمة، ويشتهر سكانها بأنهم الأكثر اغترابا خارج اليمن وداخلها.
تبعد مدينة إب، عن مدينة تعز بنحو 65كم، "وهي من أجمل مدن اليمن طبيعة، وألطفها هواء، وأكثرها خصباً.... ينسب مؤرخون ان إب تسمية فارسية وتعني غزيرة الأمطار ويقول آخرون بانها مشتقة من شهر آب (أغسطس) يسمى في اليمن بسهيل وهو ويرمز لغزارة الأمطار." (ويكبيديا)
عرف عن سكان المدينة، اشتهر اهم بتداول "النكات السياسية" كأحد أشكال المقاومة، وحتى وقت قريب كانت نبتة الحشيش تزرع في اسطح المنازل، وعندما تم الانتباه الى مكونات المادة وخطورتها، قيل بأنه تم احراق آخر مساحة من الحشيش على قمة جبل بعدن.
تشتهر مدينة إب، بأنها العاصمة السياحية لليمن، يزورها العديد من اليمنيين والأجانب، ويشكل عائد السياحة إلى جانب عائدات المغتربين، أهم مصدرين للدخل.
مطلع هذا العام، وقعت حروب قصيرة في عدد من مديريات إب، حاول متطرفون التعبير عن تواجدهم بطريقة غريبة، استولوا على مقرات حكومية، لكن تلك الحروب انتهت بسيطرة مليشيا الحوثي والمخلوع صالح على كامل أراضي المحافظة.
تقع إب، في منحدر استراتيجي، يربط مدن اليمن الجنوبية بالشمالية، وكانت بمثابة قاعدة تنطلق منها المليشيات لغزو مدينتي لحج وعدن، مرورا بمدينة تعز، ومؤخرا أصبحت الحصن الأخير لجماعة الحوثي فهي تتواجد في محيط يرفضها تماما.
بالأمس، أعلن نخبة من مثقفي المدينة وناشطيها، بدعم من أصدقاءهم في صنعاء، عن رغبتهم في اخراج مسيرة اغاثة إلى مدينة تعز، التي تحاصرها المليشيات منذ أشهر، وتمنع عن سكانها، دخول الماء والغذاء وكل ما يمت للحياة بصلة.
حملت المسيرة في مهدها ذلك التعبير البارز، عن الروح اليمنية المتوثبة، والتي مهما يكن صعوبة الظرف، لا يعوزها إيجاد البدائل لمواجهة آلة القتل والحصار.
بعد أشهر من القتال كانت المقاومة الشعبية في تعز، قد تمكنت من طرد المليشيات من أغلب مرافق الدولة، لكن هذه الأخيرة، انسحبت على محيط المدينة، ومن هناك بدأت تمعن في معركة الحصار.
في الأسبوعين الأخيرين، شهدت تعز "سوق سوداء" وهو مصطلح يعرف مدلوله جميع اليمنيين، غير أنه هذه المرة، لم يشر الى بيع المشتقات النفطية بأسعار مضاعفة، ولكن إلى بيع مياه الشرب التي أصبحت شبه منعدمة.
كتب حمزة مصطفى (ناشط من تعز) قبل ايام في صفحته على "فيس بوك" يقول: سعر الكيس الماء في تعز وصل إلى 30 ريال (أقل من نصف لتر وسعره العادي 10 ريال) وكمان مخلوط (مضاف له مياه لا تصلح للشرب) هذه ليست مزحة.
في العادة يضطر الناس في أوقات الحروب، إلى الاصطفاف في طوابير طويلة، للحصول على الخبز ومواد الغذاء، في تعز كانت هذه الطوابير، خلال الأيام الماضية، تصطف أمام البقالات كأفعى طويلة، لكنها من أجل الحصول على بعض لترات من الماء.
فكرة مسيرة الماء
تستمد فكرة "مسيرة الماء" عظمتها من بساطتها، والاستجابة الشعبية الواسعة التي حظيت بها قبل الانطلاق. أطلق الفكرة عدد من الناشطين والصحفيين، في مقدمتهم الكاتب والروائي اليمني محمود ياسين، وعلى رمزيتها، كانت المسيرة تهدف إلى كسر الحصار عن مدينة تعز.
عندما يجد الناس بأن هناك واجب انساني ووطني يدعوهم للقيام به، وعندما لا يجدون سبيلا إلى ذلك، فإن أفكار من قبيل "مسيرة الماء" تصبح بمثابة دعوة جماعية لا ينقصها الحماس للقيام بالواجب وكسر الحصار عن تعز.
قبل أشهر قال محمود ياسين أن مدينة إب التي ينحدر منها، لن يعوزها العثور على طريقتها في النضال، ليس بالضرورة أن تشبه المدن الأخرى، وكان ياسين فعلا على وشك ايجاد تلك الطريقة وتنفيذها.
مطلع هذا الأسبوع كان قد تفاعل مع "مسيرة الماء" عدد من الناشطين والصحفيين، أبدوا استعدادهم للمشاركة، كما تفاعل حشد كبير من مدينة إب، وكان شراء الماء وايصاله إلى تعز، هو الثيمة التي ستحملها المسيرة، لتعبر عن اصرار اليمنيين على محاصرة ارادة الموت التي تتبناها المليشيا.
مساء الأثنين، كان نحو 30 شابا قد فرغوا من عقد لقاءهم الموسع في فندق "إب جاردن" والذي قرروا فيه انطلاق المسيرة اليوم الثاني، وأن التجمع سيكون عند الثامنة صباحا أمام بوابة الجامعة.
بعد اللقاء كتب محمود ياسين على صفحته في "فيس بوك": كل من يحضر غدا للمشاركة في مسيرة الماء، رجل، امرأة، طفل، فليحمل في يده "دبة ماء" بقدر ما يمكنه.التجمع امام بوابة جامعة اب الثامنة صباح غد الثلاثاء والتحرك تمام التاسعة".
بعد أقل من نصف ساعة على كتابة هذا المنشور، وردت أخبار عن قيام مليشيا الحوثي وصالح على اقتحام الفندق واقتياد الشباب إلى جهة مجهولة.
لقد نجحت المليشيا في تعطيل المسيرة، لكنها في الوقت ذاته، كانت قد عمدت همجيتها، ووضعت اليمنيين جميعا أمام صفحة سوداء، ومدتهم بجميع الأسباب التي لأجلها يجدر بهم التخلص منها.
حتى اللحظة لا تزال أحد أفكار الحياة تقبع في سجن مجهول، بينما القتل والحصار يشتد على تعز، غير أن التعبير الوطني الذي حملته الفكرة، بوسعه مد هذه المدينة بمزيد من الصمود والاستبسال من أجل طي صفحة هذه المليشيا وإلى الأبد.

